الشيخ السبحاني
42
سيد المرسلين
وينبغي هنا أن نقف عند القرآن الكريم قليلا - كما وعدنا بذلك - فإنه خير مرآة تعكس أحوال العرب وأوضاعهم بدقة متناهية وبشمولية ما وراءها شمولية . ملامح المجتمع الجاهلي العربي في منظور القرآن : إن القرآن يكشف إجمالا عن أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله بعث إلى قوم لم يبعث إليها أحد قبله إذ يقول : « وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » « 1 » . ويقول في آية أخرى : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » « 2 » . ومن المعلوم أن المقصود في هاتين الآيتين ونظائرهما هم قريش والقبائل القريبة إليها . على أن أشمل وصف قرآنيّ لأوضاع المجتمع العربي الجاهلي وأحواله هو قول اللّه تعالى : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » « 3 » . فإنّ هذه الآية تصوّر حياة العرب تصويرا مرعبا ، إذ تصوّرهم أولا وكأنهم قد سقطوا في قعر بئر الجاهلية ، والضلال والشقاء فلا ينقذهم شيء من قعر التردي والسقوط الّا التمسّك بحبل اللّه ، حبل الإيمان والقرآن . وتصوّرهم ثانيا وكأنهم على شفير جهنم يوشكون أن يسقطوا فيه ويهووا في نيرانه ، وليست تلك النار إلّا نيران العداوات والحروب التي لو لم يقض عليها الإسلام بتعاليمه لأحرقت حياة العرب جميعا . هذه هي صورة سريعة عما كان عليه العرب في الجاهلية من جهل وسقوط . وامّا تفصيل ذلك فيمكن الوقوف عليه بمراجعة الآيات الأخرى التي
--> ( 1 ) القصص : 46 . ( 2 ) السجدة : 3 . ( 3 ) آل عمران : 103 .